ابن قيم الجوزية

104

الروح

فوجد أضلاعه كما هي لم تختلف لم يمنع أن تكون قد عادت إلى حالها بعد العصرة ، فليس مع الزنادقة والملاحدة إلا مجرد تكذيب الرسول . ولقد أخبر بعض الصادقين أنه حفر ثلاثة أقبر ، فلما فرغ منها ، اضطجع ليستريح ، فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا ، فوقفا على أحد الأقبر ، فقال أحدهما لصاحبه : اكتب فرسخا في فرسخ ، ثم وقف على الثاني فقال : اكتب ميلا في ميل ، ثم وقف على الثالث ، فقال اكتب فترا في فتر ، ثم انتبه فجيء برجل غريب لا يؤبه له فدفن في القبر الأول ، ثم جيء برجل آخر فدفن في الثاني ، ثم جيء بامرأة مترفة من وجوه البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذي سمعه يقول : فترا في فتر ، والفتر ما بين الإبهام والسبابة . فصل [ ماهية النار والخضرة في القبر ] الأمر الخامس والسادس : أن النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا ، فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها ، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها ، وهي أشد من نار الدنيا ، فلا يحس به أهل الدنيا ، فإن اللّه سبحانه يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظم حرا من جمر الدنيا ، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك ، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفنان ، أحدهما إلى جنب الآخر ، وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره ، وذلك في روضة من رياض الجنة لا يصل روحها ونعيمها إلى جاره . وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك ، وقد أرانا اللّه من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير ، ولكن النفوس مولعة التكذيب بما لم تحط به علما إلا من وفقه اللّه وعصمه . فيفرش للكافر لوحان من نار ، فيشتعل عليه قبره بهما كما يشتعل التنور ، فإذا شاء اللّه سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه وغيبه عن غيره ، إذ لو اطلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف والإيمان بالغيب ، ولما تدافن الناس كما في الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لولا أن لا تدافنوا لدعوت اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع » .